محمد جمال الدين القاسمي
232
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وهذه الهداية يصح أن يقال : هي مباحة للعقلاء كلهم ، ويصح أن يقال : هي محظورة إلّا على أوليائه ، لما كان في إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا لتناولها . ومن ذلك قيل : إنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الإنسان بشكل مخصوص ، بتقديم عبادات . وقد قال بعض المحققين : الهدى من الله كثير ، ولا يبصره إلّا البصير ، ولا يعمل به إلّا اليسير . ألا ترى إلى نجوم السماء ما أكثرها ولا يهتدي بها إلا العلماء . وقال بعض الأولياء : إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيل مرّ على قلات وغدران ، فيتناول كلّ قلت منها بقدر سعته - ثم تلا قوله - أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ الرعد : 17 ] وقال بعضهم : هي كمطر أتى على أرضين فينتفع كل أرض بقدر ترشيحها للانتفاع به . ( والمنزلة الرابعة ) من الهداية التمكين من مجاورته في دار الخلد ، وإياها عنى الله بقوله وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] . فإذا ثبت ذلك فمن الهداية ما لا ينفى عن أحد بوجه . ومنها ما ينفى عن بعض ويثبت لبعض ، ومن هذا الوجه قال تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه وسلّم : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] . وقال : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] ، وقال : وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [ الروم : 53 ] . فإنّه عنى الهداية - التي هي التوفيق وإدخال الجنة - دون التي هي الدعاء لقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] . وقال في الأنبياء : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ الأنبياء : 73 ] . فقوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فسّر على وجوه بحسب أنظار مختلفة إلى الوجوه المذكورة : ( الأول ) أنه عنى الهداية العامة ، وأمر أن ندعو بذلك - وإن كان هو قد فعله لا محالة - ليزيدنا ثوابا بالدعاء ، كما أمرنا أن نقول : اللهم صلّ على محمد . ( الثاني ) قيل : وفقنا لطريقة الشرع . ( الثالث ) احرسنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات ، واعصمنا من الشبهات . ( الرابع ) زدنا هدى استنجاحا لما وعدت بقولك : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [ التغابن : 11 ] . وقولك : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] . ( الخامس ) قيل : علمنا العلم الحقيقيّ فذلك سبب الخلاص ، وهو المعبّر عنه بالنور في قوله : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [ النور : 35 ] ( السادس ) قيل : هو سؤال الجنة ، لقوله تعالى : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [ محمد : 4 - 5 ] . وقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ [ يونس : 9 ] الآية . فهذه الأقاويل اختلفت